"دق قلب فمات"
يدق القلب بشدة، بكل ما أوتي من قوة حينما يداهمه أمر طارئ، حينما تداهمه وساوس المحبوب، إذ يرى كأنه يعيش السراب، أو لحظات الوهم بعد أن كان الأمل قد غمر فؤاده ولو للحظات.
لست أدري كيف ينبض هذا القلب لتغيرات الزمن تغيرات الأيام، لست أدري، كيف يتأثر لبعد الحبيب و أي حبيب هذا الذي يبعد، ويبعد الأمل ببعده.
في لحظة ما قال لي الحبيب أقلب هاته الصفحة فقد أكل عليها الدهر وشرب واهترأت لما أصابها من وابل الضعف والخوف واللاأمل، حينها وحينها فقط كان الإعصار، إعصار طاغ انفجر بفؤادي الجريح، فأتى على الأخضر واليابس من عواطفي الجياشة.
كان الإعصار فكان الخراب والدمار، كان اليأس والقنوط، كان الحب يتوارى من دائرة الأحداث كأنه يريد الانتحار، الذي سيوهمه أنه أعدم نفسه فينسى أو يتناسى لكن هيهات لهذا أن يحدث، وليت الحب يعدم فيعيش المرء قانعا بذاته، راض عن وجوده، بلا ألم بلا ندم.
عندما قيل لي اقلب صفحتك الملعونة كنت قبلها بلحظات أعيش لحظات الوهم كأسعد مخلوق في هذا الوجود، كنت كساحر يجول العالم فوق بساطه السحري يذهب حيثما يشاء، وحينما يشاء، فكيف لا، عندما تكون في حضن الحبيب يضمك إليه بكل قوة وتتشابك الأيدي بكل بساطة وبكل سذاجة، وعندما يقبل الحبيب يدك معلنا عن كل حبه واحترامه إنه يراك ملاك فوق السحاب فكيف لا تكون سعيدا؟
وعندما تكون في أعلى ربوة خلقها الرب ربوة تلاصق السحاب وتناطحه، الجو فيها جميل شاعري، غاباتها تثير في اللحظة ألف إحساس وجداني...
عندما تكون هناك أنت ومن تحب تداعبان نسيم صباح وعليله المنعش والشمس تشرق من وراء جبال شامخة معلنة عن يوم جديد...ذاك هو يومنا نحن، أنا و الحبيب.
عندما تكون هناك أنت ومن تحب تتأملان النجوم في عز النهار والنجوم نهارا لا تبدوا إلا لمن أحب النجوم...عشق النجوم، هام بالنجوم، فعندما تكون هناك ويدك بيد الحبيب، والحبيب يتأمل عيناك كأنه يكتشف وجودك لأول مرة، يتأمل كأنه يبحث عن المجهول الكامن بداخلك، يتأمل كأنه يقاوم قوى الشر التي تريد أن تفرق بيننا، يقاوم ويصارع لكي يقول لك بكل عفوية أحبك...أحبك...
لكنه يعجز أمام إعصار الأيام، إعصار الزمن الذي فرق مثوانا ليقول وبكل برودة دم "اقلب صفحة الأيام" وابعد عن هاته الأحلام، ودعني أعيش بسلام فحبك المستحيل بعينه وعشقك الواقع يهينه وغرامك الزمن يدينه، يأباه ولن يرضى عنه، وسيحاكمه محاكمة الموت وسوف يعدم إلى البد...فدعني بالله عليك دعني، فحبك وهم...وهم...وهم.
كلمات قاتلة كهاته، كلمات حارقة كهاته...تغتالني ألف مرة، تعذبني ألف ألف مرة، تعدمني قبل أن يعدم حبي لمحاكمة عادلة رآها السيد زمن ونوابه الصادقين بعد مشاورات عديدة مع السيد قدر وما كتب على جبين هذا الإنسان، وأي إنسان هذا الذي تحدى كل شيء دون خوف و لا وجل، تحدى الكل ليعلن عن حبه المستحيل في زمن لا يرحم لكنه لا يؤمن بالمستحيل ...لكنه يحترم قواعده، ويؤمن بمبادئه ..لا يؤمن بالمستحيل لكنه يطبق قواعد لعبته، لا يؤمن بالمستحيل لكنه لا يرحم الضعفاء، بل يساير الأقوياء، عظماء هذا الزمن ، الأقوياء الذين يتحدون لأجل التحدي ولا يتوارون عن الأنظار، مهما حدث ومهما قيل ويقال.
عظماء لا ينسحبون من أحداث المعركة مهما كانت النتيجة ربح أو خسارة المهم في الأمر أنهم لا ينسحبون إلى آخر رمق من دمهم من حياتهم.
كانت بجانبي في ذاك الصباح المشرق عندما تأملت عيناي مليا وأمسكت يداي باضطراب جليا وأسقطت دمعة من عين تبكي ولا تدمع، وسارت بجانبي في منحدر ويدانا متشابكتان وفجأة كبحت الفرامل وتوقفت توقفت وسط المنحدر، توقفت فجأة فامتدت يدانا في الهواء فأخذت تسحب يدها من يدي رويدا رويدا كأنها تودع لمسات يدي إلى الأبد، ثم تركت يدي، تركت يدي ووضعت كلتا يداها على وجهها مجهشة بالبكاء بكاء طفل بريء تائه في ظلمات هذا العالم، فلم يجد إلا البكاء ليعبر عن حيرته وخوفه من المجهول.
بكت...فدق قلبي دقة الموت، دقة ما تحملها فؤادي المسكين فأعلنها على الملأ حتى وصلت آذان الحبيب، فوضعت يدها على قلبي، فانبهرت واندهشت ..وانهارت أمام قلب جريح ابتسمت له السعادة لحظة وقتلته ألف لحظة، فتنهدت من أعماق أعماقها وقالت بكل سذاجة" آسفة لم أكن أتوقع أنك تحبني إلى هذه الدرجة" لكن أرجوك اقلب هاته الصفحة فالفرق بيننا كالفرق بين الأرض والسماء، كالفرق بين النار والماء، إن حبك كالورقة في الأجواء أو كقارب في المحيط يحيط به الماء، إني لا أستحق الثناء فأنا السراب لا الواحة ولا الماء، وحبك سراب لا أحب له البقاء وعليك أن تؤمن بالقضاء وأن تؤمن أن هواك عار بلا رداء بلا غطاء، وهيامك صقيع مبعثر في الأجواء، يتلاشى بظهور شمس تملأ الأرجاء وأنت صغير يا عزيزي على تحدي دوامة البقاء ومصارعة الليل وأشباحه التعساء.
جامعة دالي ابراهيم، يوم: 01/04/2001/10:09
كتبها abderrahim herrati في 04:33 مساءً ::
الاسم: abderrahim herrati
