"فردوس...الحلم...المملكة"
لست أدري كيف كانت البداية عندما كنت تائها في عالم الناث، أبحث كعادتي عن رفيق أمضي معه بعض ساعات النهار الطويل في أحر أيام الصيف، أيام لا أجد ما أفعله خلالها سوى المكوث أمام جهازي، بوابتي نحو عالم لا أرى فيه واقعي...
واقع مرير...واقع طالب تخرج من الجامعة يبحث عن أشتات منصب عمل يعيد به ماء وجهه الذي انصب أمام عائلة كبيرة العدد، ووالد معيل لا يحتمل مطالب العيال....
في واقعي فراغ رهيب وضغط نفسي كبير نتيجة تخلي حبيبة قلبي عني بزواجها من رجل غني أدخلها فردوس الدنيا بماله وجاهه، فقد كانت سبيلي نحو سعادة كنت أراها لن تزول بزوال الأيام...امرأة منحتها كل ما أملك من مشاعر الحب والعشق...كانت رفيقة دربي لأعوام وأعوام...
وبعدما فشلت في كل محاولاتي للحصول على منصب عمل، وفي انتظار أيام قد تأتي بجديد في أية لحظة كان عالم الناث سبيلي الوحيد للرفاهية والتسلية، فلا بحر قريب ولا ملهى يبعدك بعيدا عن روتين الحياة...كل ما هناك قرية نائية...وبعض المحلات التجارية تسد رمق المستهلكين....
حتى عالم الناث الذي ألج فيه ليس بوسعي الإتصال به سوى مرة أو اثنتين في الأسبوع...فالفقر مدقع، والجيب خاو على عرشه ينتظر يوما آخر لقضاء حاجات يراها البعض الآن أولى الأولويات...
في عالم الناث، وعلى صفحات السكايب، دون سابق إنذار أتلقى جملة في حوار مفتوح لشخص لم أميزه إن كان ذكرا أم أنثى، وما كان الأمر يهمني حينها، فقط أريد شخصا أحدثه، ألج معه في أي نقاش يبعدني عن كل ما أنا فيه...
كانت الكلمات راقية تحمل تحتها معان رائعة لشخص يحمل الكثير الكثير من فقه الحياة...ومن سمو التفكير والأدب...وتهت وإياه بعيدا في عالم بدا لنا لأول وهلة أنه جنة الأدب، نقاش هادئ بألفاظ عربية فصحى، ولطالما ألححت على كل من يحدثني أن يكتب بالفصحى وإلا فلا، فلا أحب التيهان في لغات عامية ولنا لغة أم تجمع أشتاتنا في كل حين...
بدا لي محدثي يحمل من هموم الحياة أكثر بكثير مما أحمل...تشوقت لسماعه...وأحببت التعرف عليه أكثر، فألححت في طلبي أن نبقى على اتصال مهما فرقتنا الأيام وأبعدتنا الأحداث والآلام...
ومضت أيام وأيام لم يسأل أحدنا الآخر من يكون ومن أين يكون؟ لم نكن نهتم للأمر فكان أكبر همنا تلكم الكلمات التي تجمعنا...تلكم اللحظات الحميمية الدافئة حيث الإحترام المتبادل والنقاشات العميقة في شتى مجالات الحياة...
واستمر الحال على ما هو عليه...
في يوم ما زاد شوقي لمحدثي فأردت أن يكون الأمر شخصي بيننا لا مجرد صدفة تجمعنا على صفحات السكايب...فعرضت عليه مواثيق الصداقة...قبلها بكل ترحاب ومحبة...وبحكم مواثيق الصداقة وددت الحديث صوتيا مع محدثي المجهول، عرضت عليه فكرة أني أود الاتصال به هاتفيا، تردد في البداية ثم قبل الفكرة...اتصلت به...
رن الهاتف...ألقيت السلام...وإذ بصوت أعذب من العسل المصفى يجيب في الطرف الآخر "وعليكم السلام"، صوت امرأة...تفاجأت...ترددت، ارتبكت...
لم أتوقع أن تكون إمرأة من أحدث منذ زمن...توقعت أن يكون رجلا...
لم يطل ارتباكي...كيف لا وهاته المرأة تملك من حس البديهة واللباقة ما عجزت أن أجده في كل أنثى عرفتها من قبل...
كانت امرأة بصوت رخيم، شدني إليها رنات حبالها الصوتية الحزينة...كلماتها الهادئة كدمية ترقص على أنغام ثلج عيد رأس السنة...
كانت إمرأة...إمرأة...لكنها ليست ككل النساء...سألتها من تكون؟
لم تشأ اخباري عن هويتها...ولم ألح في طلبي...احتراما لصمتها...
وسرنا وسارت الأيام...واستمرت نقاشاتنا وزاد حرصي ...فأنا أحدث إمرأة...إمرأة لا أعرف عن عالمها الكثير...وخشيت تأثير إمرأة مجهولة الهوية عن واقعي المرير...وخشيت الولوج في متاهة أخرى قد تأخذني بعيدا بعيدا، حيث أجد الباب مغلق كما في كل مرة...
كانت امرأة لبقة، هادئة، لا أسمع من فيها سوى كلام موزون مقفى، حريصة على ألا تخطأ، نقاشاتها عميقة، لها في كل زهرة وردة، تفقه الكثير الكثير في شتى مجالات الحياة...
كل لقاء بيننا على صفحات الواب، إلا وزاد إعجابي بها وبشخصيتها الرائعة...زاد إعجابي بامرأة أرى فيها كل سمات الأنوثة...سمات لطالما حلمت بها، كيف لا لمن يهوى الأدب ألا يحلم بأديبة تشاركه طموحه، تسايره في ميوله، تشاركه أفكاره وهواجسه، كيف لا لمن يهوى الشعر ألا يحلم بأذن شاعرية، تسمع صداه، وتتأثر بأنغام غناه...
وزادت الصداقة توطدا، وزالت حواجز وحواجز...
في يوم ما وبلا مقدمات قالت...رحيم...
قلت نعم...قالت...اسمي فردوس...
قلت: لماذا تخبريني بذلك...لست مجبرة على ذكر اسمك...
قالت: صدقني أنت أول من عرف اسمي على الناث...
وثقت فيك ثقة ما وثقتها في احد غيرك...وفتحت لك قلبي بما لم افتحه لغيرك...
صرت جزء مني...ولا غنى لي عنك...
***واستمر اللقاء...***
كانت إمرأة، فتحت لها قلبي وفتحت، حدثتها عن آلامي وحدثت، حدثتها عن أحزاني وحدثت...شكوت لها وحدتي وغربتي...شكوت لها عزلتي في عالمي... شكوت لها فراغ رهيب أعيشه على مر الأيام...
وحدثتني عن حياتها...عن مآسيها وآلامها...كانت تعاني حتى الثمالة ظلم مسار صارت فيه، ومرارة واقع سارت إليه...
كانت وحيدة، كلفتها الحياة مسؤولية ما كانت تريدها، وطريق لم تشأ السير فيها...
حدثتني الكثير عن مصير معلق بين طموحات فتاة جريئة في واقع مكبل بين ثنايا الأوهام، وأسرة تعيلها بكل عطف وحنان...
حدثتني عن وحشية مجتمع لم يفقه لغة المسار، فطعنها بخنجر الإهمال رغم مكانتها الأدبية، حدثتني عن تهديدات تجار الأدب لها في كل مرة، وحتى محاولة اغتيالها في كل مرة...
كانت المسكينة على أبواب الجنون لكل هاته الضغوط الأسرية والإجتماعية، فلم يتحمل جسدها الهزيل كل هذا فأعلن هو الآخر تمرده، فكان مرض خطير قد أصابها نتيجة قلقها الدائم ورعبها الذي يأبى أن يسكن...
أعلن الجسد الإنهزام فانهزمت الروح...وبانهزامها عاشت أحلك اللحظات، وأمر الأوقات جالت جل المستشفيات بحثا عن علاج لجسدها الذي أعلن كل الإنهزامات فدخل بها كل المتاهات...حتى أقعدها الفراش، فصار الناث عالمها الوحيد...بعد تخلي كل المحيطين بها عنها، فقد صارت مقعدة، ولا مكانة لمقعد في الدنيا بعد أن كان يدب دبيبا، وكان جيبه يعطي بسخاء وصار شحيحا بعد أن خانه الدهر...
جمعتنا صدف الحياة حول واقع كلانا الذي لم يرحمنا...جمعتنا صدف الحياة حول ميولات أدبية شتى اجتمعت عند كلانا من حب للأدب والثقافة والعلم...
***نقطة اللقاء...****
زاد تمسك كلانا بالآخر...لم نعد تفرقنا لحظات الناث عند اللقاء سوى لأوقات الأكل أو النوم، ثم يعود الواحد منا بكل لهفة وشوق كأنه فارقه منذ زمن طويل...
كان عالم الناث عالمنا، لم نكن في حاجة لعالم آخر...وتهنا فيه إلى أقصى الحدود... وزاد تعلقنا ببعض...ودون وعي منا...كانت أول كلمة...بعد أن غبنا عن بعض لمدة طويلة نسبيا...أحبك...أحبك...أحبك.
قالت أحبك رحيم...فقلت أحبك فردوس...كلمات لست أدري أكانت بوعي أم بلا وعي، فقط كانت تعبر عن شوقنا لبعض...ووحشة طالت بذاك البعد...
لكن كلمة "أحبك" لا تقال سدا...ولا يمكن تجاوزها كأنها لم تقل أبدا...فليس كل امرئ قادر على قولها...وليس أي كان قابل لسماعها...
توقفنا عندها طويلا وتساءلنا من أعماقنا...
طرحت عليها السؤال: هل أحبتني فردوس؟؟
قالت: أجل أحبتك...! أحبتك رحيم...أحبتك!!!
أحبت فيك هدوئك...أحبت فيك سكونك...أحبت فيك إصغائك لها عند كل حديث...أحبت فيك كلماتك الهادئة والعذبة...أحبت فيك اهتمامك الذي لم تجده في من يحيطون بها...أحبت فيك سمات الرجولة و الشهامة...أحبت فيك أدبك...ثقافتك...إحترامك للمرأة...ومبدؤك اتجاه كل امرأة...
وأردفت متسائلة: هل أحبني رحيم؟
قلت: أجل...أحبك رحيم يا فردوس...أحبك بكل ما تحويه الكلمة من معنى...
أحب فيك الكثير من صفات الأنوثة والتواضع، أحب فيك ضحكتك التي تملأ عليه الدنيا، أحب فيك صراحتك، أسئلتك، أحب فيك نقاشاتك الأدبية الراقية...
وجد فيك رحيم ما لم يجده في بنات جنسك...وكم حلم رحيم أن تشاركه الحياة امرأة مثلك...!!
حبك هادئ يا فردوس فيه نغمة الأمل...فيه لذة الحب الراقي...الذي لا دخل للجسد فيه...لم أرك من قبل قط يا فردوس...ولم تريني أبدا...لا أدري شكلك يا فردوس ولم تري شكلي أيضا...فكيف لا أحب من تعلق بها قلبي دون أن يراها؟
كيف لا أحب من تهت في هواها...ولم يعد قلبي يدق لسواها...أنت ملهمتي يا فردوس فكيف لا أحبك؟!
قالت: ماذا عن واقعنا؟
قلت: دعيه بعيدا عن أمرنا، ودعنا نعيش لحلمنا...
قالت: حسنا، هل تحب أن تكون لنا مملكة...مملكة حبنا...نعيش فيها أنا وأنت دون غيرنا...تكون جنتنا...حياتنا...نبني فيها أحلامنا...طموحاتنا...نبني فيها أرقى وأسمى سماتنا...من حب وعشق وغرام...
قلت: أمقتنعة أنت بما تقولين يا فردوس؟
- أنتخلى عن واقعنا كله ونعيش في حلم... لأجل حلم...ألا تخشين تأثير ذلك عما في حياتنا...؟
قالت: أليس في حياتنا إلا الشقاء ومرارة العيش؟ أليس في واقعنا سوى الألم والخوف؟ أليس حياتنا كلها وهم...صدمات...يأس...؟
قلت: الأمر كذلك يا فردوس...
قالت: إذا دعنا نعيش معا أجمل اللحظات، نعيش معا أمتع الأوقات...ليس لنا غير الحلم لتحقيق ذلك...فمالذي يمنعنا أن نحلم...ونحلم فقط...
قلت: أخشى أن يستمر الحلم طويلا...طويلا...ونمل من عالم الأحلام...ونريد أن نعود لواقعنا فنصطدم...فنعيش الوهم معلقين بين السماء والأرض...لا نحن في حلم ولا نحن في حقيقة...
أخشى عليك مني يا فردوس...وأخشى على نفسي منك...!
لم يرحمنا واقعنا فكيف لعالم الأحلام أن يرحمنا؟!!
قالت: سيكون مجرد حلم لا نربطه بواقعنا...حلم يبدأ عند كل اتصال بالناث وينتهي عند كل انقطاع عنه...
حلم يبدأ عند كل لقاء وينتهي عند كل كلمة وداع...
دعنا نعيش أجمل اللحظات...دعنا ننال ما حرمنا منه واقعنا...دعنا نعيش أجمل حلم...حيث كل شيء مباح...حيث السعادة ملكنا نعيش فيها كما نشاء....
قالت الكثير عن مملكة الأحلام...ولم تطلب الكثير سوى أن نعيش الحلم معا...
لم يطل ترددي حتى قبلت المغامرة بدخول مملكة الأحلام...
صارت فردوس حبيبتي، وصرت حبيبها...صارت عشيقتي وصرت عشيقها...
غصنا في عالم المملكة طويلا طويلا...صرنا عند كل لقاء نختار موقع من مواقعها...ووضع من مواضعها...فإن كنت اليوم ملكا فهي ملكتي في مملكتنا...وإن كنت أميرا فهي أميرتي في إمارتنا...كان الحب يرفرف عاليا شامخا بيننا...نتصور أجمل لحظات الحب وأهنئها...فنعيشها معا في كل سعادة...
إن دخلت مملكتنا غاضبا خففت عني...وإن دخلتها يائسة...أدخلت الأمل والسرور إلى قلبها...تناديني دائما بأجمل الصفات...فأنا حبيبها دائما...مليكها أميرها...فارس أحلامها...أنا كل ما في مملكتها...وهي كل ما في مملكتي...
وسرنا وسارت الأيام وطال الزمن...وحلم المملكة يزداد اتساعا...والهوة بيننا وواقعنا تزدادا بعدا...وصار الهروب من حقيقتنا أمر ولا بد منه...
أدمنت فردوس وأدمنتني...صرت مهوس بها وصارت...تخلينا عن كل ما حولنا وعشنا الحلم بحذافيره...
أجل عشناه بحذافيره...وكنا سعداء بما نحن فيه...لم نتلقى شيئا ينغص علينا سعادتنا...كنا كمن يملك خاتم سليمان...ويحقق كل مطالبه...
كانت أجمل مملكة تخطت مدينة أفلاطون الفاضلة....بمثاليتها وسكونها...باستمراريتها وأركانها...كانت أروع مملكة، الأشياء فيها ساكنة إن أردناها ساكنة ومتحركة إن أردناها كذلك...الحياة فيها هادئة...والربيع فيها ورود وورود...لا شتاء فيها أبدا...لا برق ولا رعد...لا خوف ولا هلع...
مملكتنا كانت تعيش بنا ولأجلنا ونحن نعيش لأجل الحلم...
حبيبتي فردوس في المملكة إمرأة ولا كل النساء...كاملة الأنوثة...جميلة باهرة الجمال...رشيقة القد...شعرها حريري مسترسل دائما على كتفيها ...عيناها تبرقان...فمها كخاتم الدرر...أنفها كقد التفاح الأحمر...ابتسامتها تذيب كل حي لم يدق طعم البسام...ساحرة هي حبيبتي...كلامها عذب محلى...عندما نلتقي...نتشابك الأيدي دائما بعد أن اقبل يدها الكريمة وأنحني إنحناءة احترام وتقدير لهذه المرأة التي جعلتني أسعد البشر...
عندما نلتقي...نمتطي جوادي الطائر في جولة حول المملكة نتفقد أحوالها...ونتوقف عند البحيرة...بحيرة الطيور...حيث كل طائر يغني ليلاه وأنا أغني لحبيبتي...فردوس...
فردوس كيان حي لامرأة كبلتها الحياة بأغلال من ذهب...فردوس حبيبتي...حبيبتي التي أخترتها لمملكتي...حبيبتي التي كانت سيدة على كل مشاعري...حبيبتي التي جمعت فيها كل خصال الأنوثة عند حواء...حبيبتي التي أردتها روح بلا جسد...فكانت أجمل روح...
وعشت وفردوس أجمل الأحلام وأهنئها...ولا زالت مملكتنا تعطينا الدفء بعيدا عن واقعنا الذي لا زال مريرا...ولا زال الحلم مستمرا بمملكتنا...بحبنا وعشقنا...بسكوننا وثورتنا...بهدوئنا وصمتنا...لا زال الحلم مستمرا مادام واقعنا لم يمنحنا سوى الألم...
لكن...
ترى كيف تكون نهاية الحلم...؟ ترى كيف سننسحب لواقعنا...؟
ترى كيف سأنسى فردوس؟ ترى كيف ستنساني فردوس؟
ترى هل كذبنا على بعضنا بتوهم هذا الحلم وما عشنا فيه؟
هل كذبنا عندما قلنا "أحبك"؟
هل حبنا أكذوبة عابرة، أم حقيقة معاشة؟
هل كل ما جرى في المملكة مجرد حلم أم هو جزء من واقعنا...حقيقتنا التي فررنا منها.؟
ترى لو قدر لنا أن نلتقي، هل سنعيش لحظات حب كما عشناها في حلمنا أم أن الواقع سيبعدنا عن بعضنا؟
وبعيدا عن جو القصة وما فيها، إليك أيها القارئ سؤالي: هل يمكن لحلم كهذا أن يصير حقيقة؟
ولفردوس أقول: رغم كل ما قيل هل أحبتني فردوس فعلا؟ أم أن مأساتنا في حقيقتنا أدخلتنا ملهاة عالم الحلم لنعيش الوهم إلى أن نفيق على أنغام حلم آخر وشخص آخر...وواقع آخر.
كتبها abderrahim herrati في 07:40 مساءً ::
الاسم: abderrahim herrati
