"إنتحار عمي علي"
في قرية جبلية صغيرة كان يسكن الكهل عمي علي وعائلته الصغيرة المتكونة من زوجته وابنتيه وأمه العجوز، هو بناء يعمل بالمدينة ويعود إلى بيته كل نهاية أسبوع .
عمي علي معروف في القرية بوقاره وهدوئه وصبره، رغم مرضه العصبي المزمن ومشاكل زوجته التي لا تنتهي، مطالبها كثيرة أرهقته إلى أقصى الحدود، ورغم ذلك كان لطيفا معها يحاول إرضائها بشتى الوسائل والأساليب، فقد بلغت به تضحياته لأجل إرضائها إلى غاية استدانة المال لأجل اقتناء ما تطلبه منه.
بين زوجته وأمه العجوز صراع لا ينتهي، صراع الفئران والهررة، يصل بهما الصراع أحيانا إلى التشابك بالأيدي والتراشق بالحجارة، كل واحدة منهما تحاول استمالته إلى جانبها عند دخوله البيت في كل مرة يعود فيها ليرتاح من عناء العمل، وكل واحدة تشكو له ما فعلت لها الأخرى بدموع التماسيح...
يصمت غالبا لا يلبث بكلمة خوفا من غضب أحدهما عليه، فأمه عليه حق الطاعة وزوجته خوفا من غضبها عليه.
المسكين عمي علي كانت حياته تعيسة للغاية كلها شقاء وقلق...
في أحد الأيام تعرض عمي علي لحادث عمل كاد فيه أن يفقد حياته لكنه فقد رجله اليمنى إذ بترت إثر سقوط عمود حديدي من رافعة وقع عليه...
صار عمي علي مقعد يعيش على المعاش، جل أوقاته بالبيت في جحيم دائم نتيجة الصراع الدائم بين والدته وزوجته، وإحساسه عالة على زوجته التي صارت تحقد عليه وتبرد غيضها فيه متهمة أياه بالعجز وتحسسه دائما بأن لا خير فيه وأن موته خير من حياته، حتى أنها منعت عنه اقتناء أدويته الضرورية، لأنها ترى في ذلك تبدير للمال فقط، فلا نفع في هاته الأدوية حسب رأيها...
وفي أحد الأيام ونتيجة افتقاده لأدويته وآلامه التي لا تنتهي لم يحتمل عمي علي كل هذا فقرر أن يضع حدا لحياته، مع غروب الشمس حمل حبلا وخرج متخفيا من بيته لغابة قريبة، تسلق شجرة عالية وربط حبل المشنقة حول رقبته، وتدلى من الشجرة فاشتد حبل المشنقة على عنقه وهو يتخبط ارتجافا حتى خنقه الحبل وفاضت روحه لبارئها...
افتقدته زوجته فخرجت للبحث عنه سائلة كل من وجدت في طريقها فدلها رعاة غنم أنهم رأوه يدخل الغابة بيده حبل، فهرعت زوجته مسرعة بعد أن ارتجفت رعبا لما سمعت، فوجدته معلقا يتدلى بين أغصان الشجرة، فصرخت صرخة مدوية من أعماقها وأغمي عليها من هول الصدمة، سمع رعاة الغنم صراخها فهرعوا إليها فوجدوا مشهدا مرعبا لا ينسى...
مات عمي علي مخلفا وراءه أرملة وأم عجوز وبنتين، تركتهما ولا أحد لهم في الدنيا غيره، تركهم في رعاية الله وانسحب نحو نهايته في صمت...
ندمت الزوجة على كل ما كانت تقوله لزوجها ومن انغاص حياته عليه وتأسفت على نهايته المأساوية، لكن بعد ماذا؟
بعد أن فقدته للأبد...
واستمرت الحياة، ومات عمي علي مخلفا إستفهامات وتساؤلات، فلا أحد في القرية توقع هذه النهاية المؤسفة، ولا أحد توقع أن عمي علي الرجل الصامت الهادئ الرزين قد تسوس له نفسه يوما ليفكر في الإنتحار كطريقة للتعبير عن الرفض، رفض ما كان فيه...
كتبها abderrahim herrati في 06:31 مساءً ::
سيدي رحيم
يبدو ان عمك فد انتهكته عذابات الحياة وجعلته طعين الروح و الكبرياء
أتراه كان ينظر للحياة كخريف صامت يحاكي فيه مرمرة الدموع..او ربما كان يراها كشتاء قارس كان مصيره فيه الجمود..
ترى..؟؟ما كان شعوره وقتها...؟؟وقت حمل الحبل والسقوط..؟؟
فقد كانت تلك الشجرة تحتفل يومها بسقوط ورقة جديدة للموت والخريف..
اما تلك الارملة..فلما الدموع..؟؟ فقد رحل الحسم الذي كان يصارع الرياح بمصرعيها في صمود..!!
موت هذا العم كان الف موت والف ميلاد لصرخة الالم
تقبل مروري..راقت لي تلك الشجون التي تنثرها هنا و هناك بين اروقة مدونتك
لك كل الخير
تحياتي الجورية البيضاء
الاسم: abderrahim herrati
