إرهاصات شاب جزائري

الجمعة,أيار 09, 2008


أجمل ذكرى من ماض أليم"

         ليس هناك ما يثيرني في الدنيا أكثر من الحديث عن الماضي، الماضي الذي تعلقت بأذياله   حقبة من الزمن ولست أدري   إن كان قد ولى أم أنه في سبات إلى ما بعد حين...

جل ذكرياتي أليمة تحز في نفسي كثيرا، كل ذكرى مضت تأتي كالوميض في صفحة ذاكرتي فتترك أثرا عميقا أتنفس من خلاله زفيرا قويا كأني أحاول تفجير بركان لم يقر قراره بين الخمود والإنفجار.

         لطالما كان الحزن   سيد على كل بوابات قلبي أجول في سواده بين اصطلاحات كانت تشكل مملكة الأحزان لتجمعها وتراكمها على مسار حياتي فلم تترك إلا شمعة وحيدة كنت أتنفس البسام من خلالها، فلطالما كان الفقر، الحرمان، الخوف، الموت، القتل، مشاكل الأسرة أسباب من أسباب الضياع في متاهة ذكريات أليمة لا تنسى...

لكني سأذكرها ها هنا، سأذكرها كلؤلؤة مضيئة منحتني دفء الحياة لبعض الوقت وحاولت تعويضي عن كل الحرمان الذي عشته.

         هي "سارة" الفتاة البريئة التي لجت عالمي يوما بالثانوية فتركت أثرا فياضا لا يموت.

أمسية شعرية كانت كفيلة باكتشاف امرأة موهوبة مبدعة تملك رصيدا وأحاسيس رائعة...

كنت بثانويتي أدعى "شاعر القبيلة" لأني الوحيد بها الذي نبغ وبرهن وجوده في كل مناسبة أدبية، كنت الوحيد المنتظر   عندما يتعلق الأمر بإلقاء قصيدة أو خاطرة، حتى ذلكم اليوم الذي ظهرت فيه سارة على خشبة المسرح بإلقائها المميز لأحد خواطرها الرائعة، دق قلبي لهذه المفاجأة فلطالما حلمت بالتعرف على أشخاص لهم نفس ميولي نتبادل الآراء والأفكار ونحاول التجديد والإبداع معا، بحثت كثيرا لكن لا احد كان يناقشني الأمر حتى، ظهرت سارة ففرحت بظهورها ورغبت في التعرف عليها عن قرب، ألححت على زميلة لي أن تقدمها لي فكان ذلك بعد عناء وجهد جهيد وكان اللقاء محتشما لم تستطع   أن ترفع رأسها خجلا مني، عرضت عليها صداقتي الأدبية وبلغتها فكرتي في التعارف أكثر ليستفيد كل منا من الآخر في كتاباته، لكني اشترطت   عليها ألا يصل الأمر لدرجة التعلق العاطفي فأما لا أريد ذلك، ففرحت بذلك أيما فرح وكانت البداية...

لم نكن نلتقي كثيرا فالبيئة محافظة وأي لقاء بين اثنين يكون جرما لا يغتفر، لكن الرسائل بيننا لم تنقطع، نناقش من خلالها قضايا الشعر والأدب وتوسع النقاش للمواضيع الخاصة، كانت تعاني بعض المشاكل فأعنتها على حلها فكبرت في عينها كثيرا.

ألفتها وألفتني ولم نعد نستغني عن رسائل بعض أبدا، لكن لم أفكر في الارتباط بها عاطفيا مادمت حينها متعلق بأخرى أخذت لبابة عقلي ومفاتيح قلبي، لم أصارحها بالأمر ظنا منيي أن الأمر غير مهم مادمنا اتفقنا في البداية على صداقة أدبية وفقط، لكنها تعلقت بي دون أن أشعر بذلك فصرت ملاكها وفارس أحلامها رغم أنها لم تصرح بذلك علنا، كانت تنتظرني أن أقع في حبها كما وقعت مادمت دائما أعبر لها عن مدى تعلقي بها وبرسائلها التي تعينني على الهروب من عالمي المرعب لعالم الأحلام والرومانسية بتعابير أدبية راقية وبنقاشات علمية واسعة.

في أحد الأيام طلبت مني أن احضر لها ألبوم صوري، فكان لها ذلك، جلسنا جنب الى جنب وبدأت تتصفح صفحاته حتى بلغت صورة لي ضاما "حبي الأول" الى صدري، احمر وجهها وأقلبت الصفحة بانفعال واضح، لاحظت ذلك فوجدتها فرصة لا تعوض لأصارحها بحقيقتي، أعدت الصفحة المقلوبة وقلت لها: آسف سارة هذه هي التي امتلكت قلبي فحبي لها يكاد يدخلني دوامة الجنون...

أغرورقت عيناها بالدموع وألقت ألبوم صوري من يدها وقامت من مجلسها مهرولة نحو الباب والدموع تخنقها وانسحبت فارة من أمامي...

احترت في ردة فعلها المبالغ فيها فبقيت مشدوها فليس من سلوكها فهي رزينة عادة لا يمكن اثارتها بسهولة...

المسكينة لم تحتمل أن تكتشف أني متعلق بغيرها فاصطدمت بحقيقتي، صدمة أدخلتها المشفى لأيام، لم أكن أعلم بالأمر فقد كنت مسافرا وعند عودتي لقيت صديقة لها سألتها عنها كعادتي ففاجأتني بخبر وجودها بالمشفى وصارحتني بحقيقة مشاعرها نحوي منذ البداية...

لم أتوقع يوما أن يحبني أحد لدرجة دخول المشفى بسببي، لم أتوقع أيضا أن أسبب الألم لأيي أحد، خصوصا سارة فلها مكانة مرموقة في قلبي، تألمت لما حدث كثيرا وأحسست بالذنب فقررت زيارتها بالمستشفى.

دخلت غرفتها   حاملا بيدي وراء ظهري   وردتان بيضاء وحمراء فوجدتها على سريرها تائهة بعينان تتأملان السقف في صمت، وجهها شاحب مصفر، وجسدها تبدو عليه علامات الهزال، ألقيت التحية فانتبهت لي فحدقت في بدهشة وعدم تصديق فكادت تطير من الفرح لزيارتي المفاجأة، أرادت النهوض فمنعتها، صافحتها وقبلت يدها معتذرا عما بدر مني، فقبلت اعتذاري بسرور وقالت ان الذنب ليس ذنبي...

في غمرة سرورها فاجأتها بهديتي قائلا: لكي مني هدية لكن لنرى حظك معي يا شاعرة المشاعر وكنت أناديها دائما بهذا اللقب، أتأخذين ما في يدي الأيمن أم الأيسر وكنت قد وضعت كل وردة في يد وراء ظهري، اختارت الأيمن فمان نصيبها الوردة البيضاء، منحتها اياها فابتسمت عندما رأت ما في يدي الأخرى فقالت ضاحكة:"يبدوا ألا حظ لي من حبك".

قلت لها:" لا سلام بلا حب ولا حب بلا سلام" اخترت السلام فادعي الحب لأوانه فلكل آن أوان...

أفهمتها أن حبي الأول حب من طرف واحد وواقعي سيعدمه لا محالة قريبا فلا جدوى منه، وقد تكونين حينها حبي الحقيقي فدعي الأيام تفعل ما تشاء...

وفعلا بمرور الزمن حالت حوائل بين الإستمرار في حب واهم، فأردتها أن تكون ملكة قلبي إلى الأبد...

كنا حينها بالجامعة فعشنا لحظات حب لن أنساها ما حييت، كنا نلتقي حيث ننسى الدنيا بكاملها من شروق شمس لغروبها، نحمل دفاتر أشعارنا وخواطرنا ونقرأ مانكتب، ونكتب أحيانا خواطر مشتركة تمتزج تفيها كلماتنا جملة بجملة وكلمة بكلمة...

كنا سعيدين في قمة السعادة حلمنا اللقاء تحت سقف واحد...

أنهت دراستها قبلي وبدأت العمل، جمالها الفاتن وأخلاقها العالية جعلها محل اهتمام الجميع فبدأ الخطاب يتهافتون، وهي لهم رافضة وأهلها منها يتمعصون متساءلين عن سبب رفضها للجميع، وبدأت ضغوطاتهم تزيد، فزاد ضغطها علي، تريدني أن أخطبها واعدة أياي بالانتظار حتى آخر العمر...

لم أستطع تلبية طلبها فأنا فقير فقر مدقع، وخطوبة كهاته من سابع المستحيلات، خيرتني بين الخطبة والإنسحاب، فكان الإنسحاب...

شاورتني في أمر خاطبها الأخير، منحتها موافقتي عليه فتزوجته...

وبزواجها اكتشفت ماذا أضعت؟

أشعت سارة المرأة التي ربطتني بها علاقة سبع سنوات لم تتفوه خلالها بكلمة أغضبتني، أشعت المرأة التي عشقتني لحد النخاع، المرأة التي كانت قادرة على إسعادي مدة الحياة...

تزوجت سارة...يومها كنت تائها على شاطئ بحر أحاول تجنب هذا اليوم المريع، لم أحتمل الإحساس بالذنب والشعور بأني سأفقدها إلى الأبد...

ارتميت في عرض البحر رغم أمواجه العاتية ورغم صفارات الإنذار المعلنة عن السباحة الممنوعة والخطرة...

لم أفكر في الإنتحار لكني فكرت في التهور كتعبير عن الإنفجار، سبحت في وسط الأمواج متجها لعرض البحر لا لشاطئه والكل ينادي علي للعودة، كانت بين عيناي أراها في حلتها البيضاء تزف لزوجها...

سارة، كم حلم وضعناه لليلتنا الأولى، ولفستانك الأبيض؟

سارة، كم كتبنا عنها في خواطرنا ...كم تخيلناها وتمتعنا بحلم اللقاء...

سارة لن أسمع صوتك بعد اليوم وضحكتك التي أراها كل الدنيا، ألن يلامس يدي يدك بعد اليوم؟ ألن أضمك لصدري أبدا...؟

كاتنت خواطري حينها والدموع في عيناي، الأمواج تتعالى وأنا لا زلت أتقدم، موجة عالية تدخلني دواكتها تبتلعني، أشم رائحة الموت من حولي أحاول المقاومة أستسلم لها، تدفعني إلى شاطئ البحر بقوة فائقة لا أفيق حينها إلا وأنا على سرير المستشفى في حالة يرثى لها...

تذكرت سارة يوم دخولها المشفى بسببي، وها أنا على سريره بسببها، أتأمل الدنيا وتقلبات أحوالها فافعل ما تشاء فكما تدين تدان، تذكرت أني زرتها وأهديتها وردتي فهل ستزورني وتهديني وردتها؟

لا، لا أبدا فهي في فراش الزوجية الآن مع رجل لا يجمعهما جامع سوى ما يجمع ذكر بأنثى...

تزوجت سارة وعانيت الكثير بعد زواجها، لا زالت ترعبني ولازلت أرعبها، لن أنسى اليوم الذي التقينا فيه فجأة في محل تجاري فوقعت على الأرض مغميا عليها وبنتها الصغيرة بحضنها، نسيت الدنيا حينها وهرعت إليها رافعا أياها من على الأرض صارخا سارة... سارة ...سارة....

لم يفهم أحد سبب صراخي العنيف وما   علاقتي بإغمائها، ذرفت دموعا حارة حينها فلم أمسك نفسي أمام مشاعر جياشة لامرأة انسحبت في لحظة خوف من غد مجهول

سارة، أجمل ذكرى في حياتي من ماضي الأليم، حتى زواجها كان باستئذان مني واعتذار، قالت أني في قلبها إلى الأبد وفعلا لازلت أشعر أني في قلبها حقا، ومن أغرب الغرائب التي تربطني بها إحساسي بآلامها عند كل مخاض، لمرتين وأنا البعيد عنها الذي لا يجمعني بها سوى ذكرياتي معها في يوم مخاضها أشعر بأثرها، بحنيني إليها، أحاسيس غريبة تسيطر علي بقوة، أشعر أنها ليست بخير، وفعلا في كل مرة أسأل عنها يقال انها بالمستشفى للولادة، أجهضت المسكينة حملها الأول ووصعت في الثانية فتاة آية في الجمال...

لازالت ذكراها تشعرني بلذة الذكرى ونخز الندم على تفريطي فيها...

زلازلت أعيش بأجمل ذكرى، ذكرى سارة فهي كل ما تبقى من ثر طيب ونقاوة السريرة في كل من عرفت من بنات جنسها في شتى مراحل حياتي، هي الأولى التي لن أتخلى عن ذكراها ما حييت...

وتستمر الحياة....