إرهاصات شاب جزائري

الجمعة,أيار 09, 2008


"المستبد"

             وعدت لنقطة الصفر من جديد، بعد عام ونصف من الجهود الجبارة في محاولة لإثبات الذات، عدت لنقطة الصفر مسلما أمري لله ولأقداري في الحياة، حملت حقيبتي عائدا من العاصمة إلى مدينتي بشرق البلاد عودة بلا رجعة، وها قد فتحت لي البطالة أبوابها من جديد، هي عالم مر للغاية وإحساس بالضياع لا يعرفه سوى من تذوق طعم البطالة لسنوات...

كنت أعلم أني سأخيب أمل أهلي بعودتي خصوصا والدي الذي أخذ يفتخر بابنه الصحفي الذي لمع اسمه فجأة في أحد الجرائد، فصارت أعداد الجريدة تلازمه أينما ذهب مبينا لكل أصحابه أن هذا اسم ابنه في خانة التحرير، كان سعيدا للغاية بذلك ولو أنه لا يعرف الكثير عن طبيعة عملنا في هذا المجال.

استقبلني أهلي ببرودة بعدما علموا بخبر استقالتي من عملي، فهم يعلمون أن عودتي هذه لا تبشر بخير، خصوصا وأني سأقطع عنهم المال الذي كنت أرسله لهم بين الفينة و الأخرى، استلقيت على فراشي في آخر الليل بعد وغثاء السفر الطويل وبدأت أفكر في المسار الذي رسم لي وكيف مضت سنة ونصف وعدت بخفي حنين أحمل أثر الحسرة والحيرة والألم و الغيظ الشديد من رب عمل مستبد طاغ لأقصى الحدود...

واسترسلت في تساؤلاتي عن مصير هذا الرجل القاسي وجموح طموحه في الحياة ولو على حساب الآخرين، هل حقا سيصل إلى ما يصبوا إليه؟

أتعلمون طموحه؟

إنه يطمح ليكون رئيسا للجمهورية‼

أجل رئيسا للجمهورية...

كان فقيرا معدما مارس جميع الأعمال الوضيعة، رغم أنه متخرج من الجامعة بشهادة مهندس دولة، لم تتح له فرصة العمل بشهادته فكان يعمل بيديه ليقتات وليعيل عائلته الكبيرة، يستمد قوته دائما من دعاء أمه له  بالخير وبالتوفيق، وحلمه منذ صباه أن يكون رئيسا، طموح لم تقتله أوضاعه المزرية لثقته الشديدة في نفسه...

أستغل فرصة أتيحت له فكسب مالا وفيرا فدخل عالم التجارة من بابه الواسع، بدأت أمواله في النمو فزادته قوة ونفوذا...تعاط السياسة فأنشأ جمعية طلابية وشبابية إستطاع من خلالها تحقيق مآربه والتقرب بها لأصحاب الحل والربط في هرم السلطة،  ونجح في ذلك لحد بعيد، يحاول في كل مرة إثبات ذاته وتبيان اسمه والبحث عن الشهرة في كل فرصة، درس بمعهد دبلوماسي بأموال باهظة ليتعلم فنون الخطابة والمهابة وأساليب الإقناع، فنجح في ذلك لحد بعيد، فهو شخص قوي البنية في عينيه ترى ثقة تامة في النفس، ولسانه سليط مرعب رغم محاولاته أن يظهر بشخصية الرجل المتقي الذي يخشى الله في كل أحواله.

اتصل بي صاحبي يوما يعلمني أن هناك فرصة عمل بجريدة جديدة إن   أردت أن أشاركه العمل، أسعدني الخبر فطرت على جناح السرعة للعاصمة وكلي توقا لهذا العمل المنتظر، كيف لا وقد ضعت في عالم البطالة لسنوات قبله، فها أنا أودع بطالتي بعمل جديد.

عرفني صاحبي على رب العمل فبدا من الوهلة الأولى شخصا رائعا ذي مهابة وتعقل لسانه لا يكف عن ذكر الله وتذكيرنا بالصلاة على النبي، أبدا لنا خطة عمله وقبلها طموحه في الحياة وهو يريدنا أن نكون ذراعه الأيمن، وسننال معه الخير الكثير، أسعدنا كلامه فوعدناه أن نقف معه حتى النهاية، كيف لا وقد فتح لنا أبواب أحلام لم نرها حتى في أحلام اليقظة، وعدنا بجزيل العطاء فكنا نتوقد حماسا لبداية العمل مع رجل كريم ليس المال غايته كما زعم.

وكانت البداية انطلاقة من الصفر لجريدة إعلامية جديدة، فكنا فريقا يتكون من ثلاث شبان وثلاث شابات، قمنا بالإشهار لجريدة جديدة عن طريق وضع قصاصات إعلامية في العلب البريدية للعمارات والمنازل في العاصمة وكل الولايات المحيطة بها، وتصوروا حجم الجهود المبذولة لتلمس يدك جل عمارات أحياء العاصمة وضواحيها والتنقل بينها خصوصا إن وات ذلك حرارة الصيف ولفح شمسها الحارقة.

مع مرور الوقت بدأت ملامح الاستغلال تبدو جلية واضحة، فقد ارتأى أن يوسع نشاطه على حساب عملنا، فأنشأ وكالة لكراء السيارات عينني مديرها ووكالة عقارية ومن بعدها جريدتين أخريتين، كل هذا في مقر واحد وتخيلوا حجم الخلط في الأعمال وكيف تجمع كل أنواع الزبائن في مقر ضيق كمقرنا، وكيف تجمع بين عمل مكتبي لجريدة والتعامل مع زبون يريد أن يستأجر سيارة وآخر يبحث عن شقة،لكن ما كان يخفف الضغط عنا هو تعاوننا كفريق رائع، نساعد بعض دون تخصص في العمل، الإحساس بالإستغلال بدأ عند المطالبة بأجرة العمل، كان يتمعص دائما ويسأل كل من يطالبه بأجره ماذا ستفعل به؟ لقد منحتك منذ أياما مصروفا، فلماذا تريد المزيد؟ والكارثة في هذا أن الأجر غير محدد إطلاقا فعند سؤاله كم سيكون أجري الشهري؟، يفتح أبواب الوعود وتسهيل الأمر، دائما لا مشكلة، سأعطيك ما يرضيك، سأقتني لك سيارة، سأعينك على الزواج، قد أشتري لك شقة، واستمر الوضع على ما هو عليه، في كل يوم يزداد استغلاله وتزداد أحاسيسنا بفقدان شخصيتنا والتنازل عن كرامتنا واستقلاليتنا، صار يريدنا عبيدا له وقد حقق ذلك بطريقة أو بأخرى، فيكفي أن أذكر الأعمال التي كنت أقوم بها لأتأكد من ذلك فأنا رئيس تحرير جريدة، مدير وكالة، صحفي، عامل رقن على الكومبيوتر، سائق سيارة، حامل جرائد بالمطبعة وموزعها، منقب عن الإشهار، باحث في أعمال الوكالة العقارية وطوع أمره لقضاء حوائجه الخاصة، والعمل يمتد من الثامنة صباحا حتى منتصف الليل أحيانا، كنت أتحمل الضغط على أمل أن يتغير الوضع مع مرور الوقت واستقرار الجانب المادي لأعمالنا، لكن بعدما تحسنت الأمور وصارت مداخيل الجرائد بالملايين لم نجد ما وعد به، بل زاد تعنته ومطالبتنا بجهود أكبر.

اكتشفت حقيقة هذا الرجل الأناني الذي يحاول أن يجمع المال لتحقيق مبتغاه على حسابنا، فلا تأمين في العمل لكل العمال ولا أجر واضح لأغلبهم، ومداخيل العمل يقوم من خلالها بتوسيع نشاطاته التجارية، والعشبة التي   قسمت ظهر الجمال حادث أشعرني بحقيقة العبودية في أعمالنا، عند دخوله يوما على حين غرة من الأمر فوجد زميلة لنا تأكل في مقر العمل فصرخ في وجهها وشتمها وخرج، فأغمي على المسكينة من شدة الرعب والإهانة، فأسرعت زميلة أخرى للإتصال به لإيصالها للمستشفى فسخر منها، وفي ثورة غضبها شتمته فطردها من العمل هاتفيا وعند استيقاظ الأخرى ألحقها بزميلتها، رغم محالات المسكينة وتضرعها إليه بدموعها ألا يطردها فهي على أبواب الزواج وتحتاج لهذا العمل، لكنه رفض طلبها في كبرياء واضح، لم تشفع لها كل مجهوداتها الجبارة في عملها بأبخس الأجور أن يمنحها فرصة العمل ثم لا ذنب لها ولا يستحق الأمر ردة الفعل هذه.

هنا اكتشفت انه إنسان ماكر استغلنا إلى أقصى الحدود بلا ثمن وعندما أحس انه يستطيع الاستمرار من دوننا بدأ يتخلص منا الواحد تلو الآخر حتى لا نطالبه بحقوقنا.

فكرت مليا في أمر البقاء أو الإنسحاب، تذكرت عالم البطالة الذي كنت فيه، فقري المدقع، نظرة أسرتي وأنا الشاب المتقاعس عن العمل برأيهم، حسرات أبي وتنهده من أعماقه كلما عاد للبيت فوجدني أمام جهاز الكومبيوتر، استهزاء وسخرية المجتمع من الشباب الجامعي البطال، تذكرت فرحة أمي حتى أسالت دموعا عندما علمت أني وجدت عملا ودعائها لي بالتوفيق حينها من أعمق أعماقها، تذكرت كل هذا وقارنته بهذا العمل المهين الذي رغم متعته وتنوعه إلا   أن ظروف الاستبداد قتلت شعلة الحيوية والاستمرار، كيف لا والمرء يكافح بالعمل من أجل الاستمرار بروح الحياة وروح الأجر لتحقيق الذات وقضاء الحاجات، فلم البقاء إذا لم تقضى الحاجات لأن عملي بلا أجر ولا تحقيق للذات ما دمت قد فقدت الرغبة في الاستمرار فقد تشتت الفريق الذي كان يجمعنا بروح الحيوية والتعاون.

في خضم كل هذا اتصل بي   صديق عزيز علي على عجالة من أمره يخبرني أن والده تعرض لحادث مرور خطير وهو على أبواب القيام بعملية جراحية باهضة الثمن ويطلب مساعدتي، فوعدته أني سأعينه بثلاث ملايين سنتيم، فشكرني داعيا لي بالخير، اتصلت برب العمل وأخبرته أني في أمس الحاجة للمال وقصصت عليه القصة فقال غدا سأمنحك أياه، وفي الغد تهرب مني بحجج واهية وصاحبي يتصل كل ساعة مطالبا أياي بتحويل المال الذي وعدت، فهو المبلغ الناقص قبل أن تتم العملية، جن جنوني عندما ألححت على رب العمل فقال أنه لا يمكنه أن يمنحني هذا المبلغ اليوم، فثرت غضبا في وجهه وأعلنت له استقالتي وأريد كل أموالي وعرق جبيني عنده وأقسمت له يمينا أني لن أعمل بعد الآن عنده أبدا....

فضحك عاليا ساخرا وقال:" لن أمنحك شيئا، وافعل ما تريد..."

تأملت عيناه مليا فوجدته يعي ما يقول، فقلت له: " بيننا الله، وانسحبت في صمت"

واتصلت بصاحبي أعتذر له عن عدم قدرتي عن توفير المبلغ المطلوب، فتحسر وتأسف وأغلق الهاتف دون وداع...

انسحبت بلا رجعة رغم محاولاته العديدة أن أعود معتذرا عما بدر منه، لكن من شيمي عند اتخاذ القرار ألا أعود فيه أبدا.

عدت لنقطة الصفر بتجارب في الحياة ومفاهيم جديدة حول أناس كيف يسعون لتحقيق طموحاتهم بالتضحية بالنفس و النفيس وبكل شيء يقف في طريقهم.

يريد أن يكون رئيسا، فاستغل كل عامل عنده إلى أقصى حد بأدنى أجر، لقد نجح في تنمية تجارته فهي لا زالت تتوسع، لكن خسر الكثير من الناس بأكل عرق جبينهم فصاروا يدعون عليه في كل حين.

إنه مستبد، حقيقة مستبد فهل سينجح هذا المستبد في تحقيق طموحه بربح الدنيا وخسران الآخرة، هل سينجح؟

وتسمر الحياة....



في09,أيار,2008  -  10:24 مساءً, الجورية البيضاء كتبها ...

الاكيد انه ستستمر الحياة...
فلقد كنت هنا يا سيدي وانت تسرد حروفك التي جعلتني أنساق معها حتى الختام..
كنت قنديلا مضيئا في الليل الضرير ..كل كلامك كان يحمل مقابل انتكاسات الالم والاحباط اجمل أمل..
مما لا شك فيه ان كل ما ممرت به كان اغنى تجربة لك في هذه الدنيا منذ ان فتحت عيناك على دنيا الوجود وطللت من كوة الظلام الى سماء الصباح..

سيدي لا يهم ما نحن عليه الان ولا يهم ان كنا في عالم البطالة او في عالم الاوهام او الاحلام ..المهم انه لا ينسب إلينا تلك الكلمة الصماء..المستــــــــــــبد..ّ!!



تقبل زيارتي...سعدت جدا بمروري من هنا..

لك تحياتي
الجورية البيضاء

في12,أيار,2008  -  02:24 مساءً, abderrahim herrati كتبها ...

إنه لمرور أفخر به وأسعد
فكم أنا أحتاج لدعم يشعرني بالرغبة في الإستمرار كلما وجدت لمسات قلم كقلمك أحس من خلاله أن ما كتب قرأ ويستحق القراءة.
شكرا...شكرا جزيلا لمرورك الكريم.
عبد الرحيم حراتي

في28,أيار,2008  -  01:41 مساءً, hananejijel كتبها ...

أتمنى لك المزيد من النجاحات و الكتابات المشرفة.
حنان / جيجل / الجزائر

في16,آب,2008  -  07:08 مساءً, مجهول كتبها ...


(إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن)

بسم الله الرحمن الرحيم

((..إن الله ليطلع على عباده في هذه الليلة..؟!!..))أرسل الموضوع إلى صديق


عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن) [ابن ماجة1390، وابن أبي عاصم، واللالكائي]

هذا الأثر يحوي المسائل التالية:

-المسألة الأولى: معنى اطلاع الله تعالى على عباده ليلة النصف من شعبان.
-المسألة الثانية: الحكمة من تخصيص هذه الليلة بهذا الاطلاع الإلهي، والمغفرة الإلهية لجميع الخلق.
-المسألة الثالثة: سبب استثناء المشرك والمشاحن من المغفرة.
-المسألة الرابعة: كيف نعظم هذه الليلة مستنين لا مبتدعين؟.

-المسألة الأولى:معنى اطلاع الله تعالى عباده ليلة النصف من شعبان.

أخبر الله تعالى في آيات كثيرة أنه مع عباده، مطلع على أحوالهم، صغيرها وكبيرها، فقال تعالى:

- {ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم}.

- {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}.

- {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار}.

وجاء في الأثر الصحيح أنه ينزل في كل ليلة إلى السماء ثم ينادي: من يدعوني فأستجيب له؟، من يستغفرني فأغفر له؟، من يسألني فأعطيه؟.. وذلك في الثلث الآخر منها.

فاطلاع الله تعالى على أحوال عباده مبيّن في نصوص متعددة، فأي جديد في حديث النصف من شعبان إذن؟

للإجابة نقول:

بيان علم الله تعالى بأحوال العباد جاء في النصوص بأوجه وصيغ متعددة:

-فتارة بالإخبار بعلمه بكل ما في السموات والأرض، وبما يجترحه العباد،.

-وتارة بالإخبار أنه يراهم ويسمعهم ويعلم ما في ضمائرهم.

-وتارة بالإعلام أنه منهم قريب غير بعيد، وأنه معهم أينما كانوا.

-وتارة يخبرهم أنه مطلع عليهم.

هذا التعدد في التعبير عن الإحاطة الإلهية الشاملة فيه التنبيه والإشارة إلى الحذر من مواقعة ما حذر منه، والجدّ فيما حث عليه، فإذا الإنسان استشعر هذا القرب والمعية والاطلاع والعلم الإلهي بأحوال الخلق فلعله يُحفَّز إلى الخير..

وعندما تتنوع النصوص في هذا المعنى، وتأتي في كل مناسبة بتعبير جديد، فذلك مما يلفت الانتباه ويجدد الهمة والعزيمة للخير، فطبع الإنسان الملل والنسيان، فإذا تجدد أسلوب الخطاب، وتكرر من وقت لآخر، ومكان إلى آخر، أعان على طرد الملل، واستعادة الذاكرة لما نسي من العلم.

إذن، فخبر اطلاع الله تعالى في ليلة النصف من شعبان هو تذكير وتجديد للعلم بمعرفة الله تعالى بما يكون من الإنسان، فهي موعظة توقظ الغافل، وتجدد الهمة، وقد جاء في رواية أنه تعالى ينزل في تلك الليلة، وهذه فيها زيادة على معنى الاطلاع، وفيها الدليل على عظم الرحمة الإلهية بالعباد، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب) (الترمذي، وابن ماجة، وأحمد].

-المسألة الثانية: الحكمة من تخصيص هذه الليلة بهذا الاطلاع الإلهي، والمغفرة الإلهية لجميع الخلق.

في هذه الليلة فضيلتان:

-الأولى:تخصيصها بالاطلاع الإلهي على أحوال الخلق، ولولا فضل الإنسان وكرامته لما خص بهذا الفعل.

-الثانية:تخصيصها بالمغفرة ابتداء كرما، دون سبب متقدم إلا الإسلام، فمن كان مسلما فله هذا الثواب.

والحكمة من تخصيص هذه الليلة بهذا الفضل:

أنها ليلة من شهر مبارك، عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر منه صياما في شعبان) [رواه البخاري ومسلم].

وعن أسامة بن زيد قال: (قلت: يا رسول الله!، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه النسائي].

وشهر شعبان مقدم شهر رمضان المبارك، تضاعف فيه الأجور، وتفتح فيه أبواب الرحمة، فكأنه أراد من عباده التحلل من كل ظلم: ظلم النفس بالشرك، وظلم العباد بالتباغض. حتى لا يحرموا تحصيل الأجر الجزيل، كما جاء وصفه في الحديث القدسي:

(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

فلصيام رمضان أجر غير مقدر، تكفل الله تعالى به، ومن رحمته بعباده أنه يريد لهم نيل هذا الثواب العظيم، ولأجله حثهم على التحلل من كل ما يكون سببا في حرمانهم الثواب، فالشرك أعظم الذنوب المحبطة للأعمال الصالحة، والشحناء يفسد الدين، ويضيع ثوابا كبيرا.

-المسألة الثالثة: سبب استثناء المشرك والمشاحن من المغفرة.

في هذا الحديث بيان عموم مغفرة الله تعالى لجميع الخلق إلا من استثني، وهم صنفان: مشرك، ومشاحن.

فأما المشرك فهو الذي عبد غير الله تعالى، بأي نوع من أنواع العبادة: من دعاء، أو نذر، أو ذبح، أو حج، وغير ذلك.. فمن فعل ذلك فقد أشرك، واستحق العقوبة وهي: عدم المغفرة، والخلود في النار، كما قال تعالى:

{إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}.

وقال: {إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا}.

وأما المشاحن فهو: المباغض، والمخاصم، والمقاطع، والمدابر، والحاقد، والحاسد.

فكل هذه أوصاف للشحناء، وهي مفسدة لذات البين، مقطعة للصلات والأرحام، وقد جاء في الحديث:

( دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء. وهي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على ما تتحابون به؟، أفشوا السلام بينكم) [الترمذي في القيامة، باب: سوء ذات البين، وقوله: (لا تدخلون) في مسلم].

فالوصف المشترك بين الشرك والشحناء أن كليهما يحلق الدين ويفسده، والفرق أن الشرك يبطل الدين فلا يبقي منه شيئا، أما الشحناء فتهتكه وتتركه بلا روح، وإن لم تجتث أصله..http://annonces100.maktoobblog.com/1234828/(إن_الله_ليطلع_ليلة_النصف_من_شعبان،_فيغفر_لجميع_خلقه،_إلا_لمشرك_أو_مشاحن)/?postView=1